الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

224

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

بلام العهد الذهني صادقة على من تحققت له الصلة ، أعني أنه على بينة من ربه . وبدون ذلك لا تستقيم الإشارة . وإفراد ضمائر كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ مراعاة للفظ ( من ) الموصولة وذلك أحد استعمالين . والجمع في قوله : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ مراعاة لمعنى ( من ) الموصولة وذلك استعمال آخر . والتقدير : أفمن كانوا على بينة من ربهم أولئك يؤمنون به . ونظير هذه الآية قوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ في سورة القتال [ 14 ] . والذين هم على بينة من ربهم يجوز أن يكونوا النصارى فقط فإنهم كانوا منتشرين في العرب ويعرف أهل مكة كثيرا منهم ، وهم الذين عرفوا أحقية الإسلام مثل ورقة بن نوفل ودحية الكلبي ، ويجوز أن يراد النصارى واليهود مثل عبد اللّه بن سلام ممّن آمن بعد الهجرة فدلوا على تمكنهم من معرفة البينة لصحة أفهامهم ولوضوح دلالة البيّنة ، فأصحابها مؤمنون بها . والمراد بالبيّنة حجة مجيء الرسول صلى اللّه عليه وسلم المبشّر به في التوراة والإنجيل . فكون النصارى على بينة من ربهم قبل مجيء الإسلام ظاهر لأنهم لم يكذّبوا رسولا صادقا . وكون اليهود على بيّنة إنما هو بالنسبة لانتظارهم رسولا مبشّرا به في كتابهم وإن كانوا في كفرهم بعيسى - عليه السلام - ليسوا على بيّنة . فالمراد على بيّنة خاصة يدل عليها سياق الكلام السابق من قوله : فَاعْلَمُوا أَنَّما أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ [ هود : 14 ] ، ويعينها اللاحق من قوله : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ أي بالقرآن . و ( من ) في قوله : مِنْ رَبِّهِ ابتدائية ابتداء مجازيا . ومعنى كونها من ربه أنها من وحي اللّه ووصايته التي أشار إليها قوله تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [ آل عمران : 81 ] وقوله : الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النبي الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [ الأعراف : 157 ] . وذكر كتاب موسى وأنه من قبله يشير إلى أن البيّنة المذكورة هنا من الإنجيل ، ويقوي أن المراد ب فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ النصارى . وفعل ( يتلوه ) مضارع التّلو وهو الاتّباع وليس من التلاوة ، أي يتبعه . والاتباع مستعار للتأييد والاقتداء فإن الشاهد بالحق يحضر وراء المشهود له . وضمير الغائب المنصوب في قوله : يَتْلُوهُ عائد إلى فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ . والمراد ب شاهِدٌ مِنْهُ شاهد من ربه ، أي شاهد من اللّه وهو القرآن لأنه لإعجازه